حب أعصابك تحبك الدنيا كلها

تعرف البشرية الحب منذ بدء الخليقة ، فالناس تعرف الحب كما يعرفون النور فى كبد السماء ، و تتفق الأسانيد الدينية و العلمية على أن النور  كان موجودا و هو لازم لكل ألوان الحياة ، و كذلك الحب المحير للانسان منذ القدم و احتار فى أمر قوته و سيطرته فهو يبدا بعمليات كيمائية بسيطة فى المخ لتنتشر عن طريق الأعصاب الى باقى أعضاء الجسم كالقلب بيدق بشدة و يرفرف كالطائر ، و الى اليدين فترتعش و تصب عرقا ، و الى الوجه فيحمر و يزداد جمالا ، و الى العينين قتزداد لمعانا و بريقا ، يحدث كل ذلك دون أن يدرى المحبوب بما يعتلج داخل الحبيب من تفاعلات و عمليات كيمائية و فسيولوجية ، و فى أوقات كثيرة تتفق كيمائية الحبيب مع المحبوب و هنا يصبح كل منهما حبيبا للآخر دون ترتيب و لا حسابات و هذا يفسر حدوث شرارة الحب التى لا تخضع الا لكيمائية ربانيه لا يعلم سرها الا المولى سبحانه و تعالى، فالعقل بتفاعلاته الكيمائية هو وسيلة الحب التى نعرفها و ليس القلب كما هو شائع.

و الحب ليس قاصرا على البشر فقط ، فالحيوانات أيضا تشعر بالحب و الرغبة فى التقارب خاصة فى فترة تغيير الفصول و استقرار الطقس و انتشار الروائح كما هو الحال فى فترة الربيع ، و بينت التجربة أن كل تلك العوامل تؤثر على الغدة النخامية فى المخ فتفرز العديد من الهرمونات و منها هورمون النمو و الحب فيكون رسولا لباقى أجزاء الجسم عن طريق الدم الذى يحمل الهورمون فيؤدى الى تغييرات متعددة و أهمها التى تحدث فى أجهزة التكاثر و تعمل على تهيئتها للوظيفة التى خلقها الله لها و هى المحافظة على البشر من الانقراض ، و الجميل فى الامر أن ه\ه الهرمونات لا تؤثر فقط على الجسد بل يتعدى تاثيرها الى السلوكيات و التصرفات مما يهيا الجو المناسب للتكاثر ، فياله من تاثير هورمون الحب هذا

و عندما يقع الانسان اسيرا للحب  تبدا الموصلات العصبية فى المخ فى ازدياد مثل مادة الدوبامين التى تشع السعادة للانسان ، و تعمل على زيادة الاحساس بالقوة و النشوة ، و تسرع من نبضات القلب ، أما زيادة مادة السيروتونين فتجعل الانسان يركز فى شخص واحد و فى رغبة واحدة ، و هنا يتاكد لنا أن الحب الصادق بين المحبين يعتمد أساسا على الجهاز العصبى و يرافقه الغدد الصماء لما لها من تأثير على الموصلات العصبية رغم أنف الشعراء الذين يصرون على أن الحب يأتى من القلب و نسوا أن الاذن قد تعشق قبل العين أحيانا و أن العين هى أول سهم يرسله كيوبيد الى العقل و أخيرا يتحرك القلب ليمنع المحب من نوم الليالى.

أما الصدمات العاطفية فهى اشق أنواع الصدمات على الاطلاق فاذا انكسر القلب بفقد محبوبه أرسل الى المخ اشارات الدجر ليعبر عن استيائه و قلقه و غضبه و أحيانا خوفه من المسقبل ، و هنا يقوم المخ بعمليات عكسية قد تخرج المرء عن شعوره قيقل هورمون الجابا و هو المسئول عن الشعور بالامان و الراحة ، كما تقل مادة الاستيل كولين التى تلعب دورا هاما فى الذاكرة ، و ينتهى بنا الحال الى اظهار رغبات عدوانية نحو النفس فتكون بسيط فى صورة رفض أو فرط الاكل و قد تكون شديدة فى صورة التفكير فى الانتحار ، و قد تكون هذه الرغبات العدوانية نحو الغير قنجد المحب -عفوا اللى كان محب- يتفاعل مع الناس بعصبية شديدة و لا يحتمل الزحام أو عطلة المرور أو اى تصرف مزعج من الغير و ان كان من اقرب الناس اليه.

فعندما نحب بالفص الصدغى من المخ نجد كل الناس حلوين كما شدت أم كلثوم "فى عنيا حلوين" ، و تسمو الأخلاق و ينشط هورمون النمو و الحب و يستمتع المحب بتغريد الطيور و عطر الورود و يشعر بكل الأمان فى الدنيا طالما أن محبوبه يشاركه الحياة ، و ينعكس الحال عند فقد المحبوب فيدخل فى مرحلة اكتئاب تعرف باسم أكتئاب فقد المحبوب و التى وصفها قدماء المصريين و حددوا لها 40 يوما ليزول أثرها ، و للمساعدة للخروج من تلك الحالة المزاجية السيئة ننصح بتناول الشيكولاته لما لها من تاثير مضاد للاكتئاب و ننصح بمراجعة طبيب الأعصاب و الطب النفسى الذى يتفهم طبيعة الحالة و يصف العلاج المناسب بالاضافة الى الدعم النفسى ، وقانا الله و أياكم لوعة فقد المحبوب ، فالتفاؤل صفة المحب دائما فى كل أحواله.

دكتور / مجدى دهب

أستاذ الأعصاب بطب الأزهر

Please publish modules in offcanvas position.