الأعصاب فى رمضان

الصوم اجهاد للمرء بشكل عام و للمريض بالطبع أكثر اجهادا و من هنا أعطى الله عز و جل المرضى رخصة لتأجيل صومهم الى أن ينعم عليهم بنعمة الشفاء أو يسقط عنهم طبيعة الصوم لشكل آخر من أشكال العبادات ، فقد قال تعالى فى كتابه الكريم "من كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر" ، و قد حثنا رسولنا الكريم على الأخد بهده الرخصة حفاظا على النفس البشرية المريضة من الهلاك بقوله صلوات الله و سلامه عليه "ان الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى فرائضه" ، و فى حالات المرض المزمن الدى لا يرجى منه شفاء ، على المريض أن يطعم مسكينا أو أكثر من أوسط ما يطعم أهله دون اعادة للصيام,

و الأعصاب هى المايسترو الدى يستقبل الاشارات من كل أجزاء و حواس الجسم و هو أيضا الدى يصدر توجيهاته بالحركة و السلوك الى الأطراف و العقل عموما ، فكيف تكون الأعصاب فى حالة الصيام الدى يمنع الانسان من المياه و الغداء و الدخان لمن تعود التدخين لفترة تصل الى اثنى عشرة ساعة خلال فصل الصيف الحالى؟ فالامتناع عن الماء يقلل نسبة السوائل بالجسم و عن الغداء يقلل من نسبة السكريات بالدم ، و عن الدخان الدى يقلل نسبة الاندورفين و النيكونين بالمخ ، دلك الخ الدى يعتمد أساسا على الأكسوجين و السكر لاداء مهامه على أجمل وجه و يحمل الدم الدى تزداد درجة لزوجته و يركد  أثناء سريانه بالشرايين و تقل درجة اروائه لخلايا المخ  المختلفة مما تزيد الاستعداد للتخثر و الجلطات.

الصيام يدرب المخ على الصبر على احتياجاته الضرورية حتى يستطيع المرء فى اليوم الثالث من أيام الصيام التعود و التكيف مع قلة السوائل و الغداء خلال ساعات النهار ، كما ان الصيام يساعد على تقوية العزيمة و التحكم فى غريزتى الاكل و النكاح ليصبح العقل هو المتحكم و ليس خاضعا للنزوات ، ناهيك عن قوة الايمان المتمثلة فى مراقبة المرء لنفسه و صدقه مع داته حيث أن الله عز وجل مطلع على أفعالنا و جعل عمل كل ابن آدم له الا الصوم فهو لله وحده و هو الدى يجزى به ، كما أن الصيام يقلل من الاحساس بالصداع و عدد نوبات الشقيقة ، و يساعد مرضى التهاب الاعصاب الطرفية الناتجة عن اضطراب سكر الدم فى تقليل الاحساس بالتنميل ، و انضباط ضغط الدم الشريانى و انتظام ضربات القلب و تناغم البدانة مع النشاط الجسمى.

فالصيام من أفضل وسائل التخسيس و علاج المفاصل ادا اتبع الصائم الطريقة المثلى أثناء افطاره ، و ما نراه كثيرا من شراهة الأكل عقب آدان المغرب حتى يفترس الصائم أكبر قدر من الطعام فى أقل وقت فتمتلئ المعدة على آخرها هو بعيد كل البعد عن الصحة و العافية ، حيث أن الدم فى هده الحالة ينسحب من الأطراف و منها المخ الى المعدة حتى تبدأ عمليات الهضم فيغلب على الصائم الشعور بالنعاس و الحاجة الى النوم الدى لا يقاوم ، كما ان المعدة تسحب الدم أيضا من القلب و الكلى و تظهر علامات القصور فى الدورة الدموية فى أرجاء الجسم. و الافطار الصحى الدى أوصانا به نبينا الكريم فى سنته هو تناول تمر و ماء غير بارد (و يمكن الاستعاضة عنه بشوربة دافئة) و بعدها يقوم المرء بنشاط الى أداء صلاة المغرب حيث سكر التمر و دفء الماء يهيئان المعدة لاستقبال وجبة الافطار بعد حوالى الساعة ، و من هنا كانت توصية النبى لاصحابه بالتأخير فى السحور و التعجيل فى الفطور.

الرياضة لها وقتها خلال ساعات الصيام و هى تساعد على ازالة الكوليسترول و الدهنيات الثلاثية من الدم ، و تعيد تنسيق توزيع الدهون بالجسم و تقوى عضلات القلب و تساعد على استرخاء أعصاب الدماغ و تهدئ الناحية النفسية ، و ينصح بالرياضة فى الوقت مابين صلاتى العصر و المغرب و هى أفضل فترات نشاط الانسان فى الصيام و يلزم لها فترة ربع ساعة يوميا أو نصف ساعة يوم بعد يوم ، و أقلها و أيسرها هو رياضة المشى فى صحبة رفيق يشجع على الرياضة و يتبادل الخبرات الأجتماعية أثناء المشى ، ليخرج المرء فى نهاية هدا الشهر الكريم و قد تخلص من الوزن الزائد فى صورة دهون على البطن (الكرش) و من ضعف أوردة القدمين (الدوالى) و من اوجاع أسفل الظهر (اللومباجو).

هناك مرضى يتسآئلون عن كيفية صيام من يعانى من النوبات الصرعية أو الجلطات المخية أو التهابات الأعصاب لدى الحوامل و الرضع ، و لهؤلاء ندكرهم بقول المصطفى صلى الله عليه و سلم "لا ضرر و لا ضرار" و الدى يحمل معنى أن الله عز وجل قد يسر على عباده فى كل أمور الحياة فما بالكم فى حالة المرض؟ ادا استطاع المصروع أن ينظم طريقة تعاطيه للأدوية التى تمنع التشنجات على جرعتين عند الفطور و قبل السحور فلا بأس بالصيام بل ننصح به طالما لم يشعر المريض بالهفتان (قلة السكر بالدم) ، و مريض الجلطة معرض هو الاخر فى أى وقت للانتكاسة فى جلطة ثانية او ثالثة و بالتالى عليه تناول ادوية تساعد على سيولة الدم (كالأسبرين مثلا) و يمكن للمرء الصيام طالما أنه مستمر على العلاج و يقضى معظم نهاره فى جو ملائم و لا يشعر بالعطش (قلة السوائل بالدم) فان شعر بالعطش و جفاف حلقه عليه بقطع الصيام فورا و تناول السوائل ثم اطعام مسكين من أوسط ما يفطر أهله ، و قد تكون حكمة المولى سبحانه و تعالى من وراء دلك أن يوسع على عباده ليخرج مالا يطعم به المسكين بدلا من هلاكه باتمام الصيام.

و لأننا على أبواب شهر كريم فلنا بعض التوصيات من الناحية العصبية و النفسية و منها:

  • تخفيف الوزن و الاعتدال فى تناول الأطعمة و الابتعاد عن المؤكولات الدسمة التى تزيد من تصلب الشرايين
  • محاربة التدخين حيث أنه يساعد على حدوث جلطات المخ و القلب على حد سواء و الادمان هو نهاية المطاف
  • ضبط سكر الدم و ضغط الدم فكلاهما له الأثر السيء على الأعصاب و نزيف المخ و تخثر شرايينه
  • ممارسة الرياضة و أسهلها المشى لتنشيط عضلات الجسم و المحافظة على الدورة الدموية فى أفضل حالاتها  ، و افراز مادة الاندورفن بالمخ مما يزيد الاحساس بالسعادة و النشوة
  • تناول النعناع مع الشاى فهو من المهدئات البسيطة للاعصاب و يمنع تقلص المعدة و الامعاء المصاحبة لعدم الهضم الجيد للأطعمة ، فقد أثبتت الأبحاث أن من ينتاولون النعناع مع الاكل يقلل من تعصبهم فى الساعات الأخيرة من فترة الصيام ، و هدا ما نراه جليا عند وجود تزاحم مرورى قبيل الافطار ، و نلحظ تفاعلهم مع الأحداث الموترة بكثير من برود الأعصاب و هم داخل سياراتهم تحت أشعة الشمس.

فى النهاية على مريض الأعصاب أن يتخد من شهر الصوم فرصة لتقوية مناعة جهازه العصبى و النفسى ، و ادا عن اليه شارد يصعب الحكم عليه فعليه مراجعة طبيب أعصاب مسلم الدى قد يبيح له الصيام أو يرخص له بالافطار و اطعام المساكين ، أسعد الله قلوب المرضى بشهر رمضان المعظم و شفى مرضانا شفاءا لا يغادر سقما و الله هو المعين فى كل الأمور.

مجدى دهب

استاد الأعصاب بطب الأزهر

28 أبريل 2014

Please publish modules in offcanvas position.